صديق الحسيني القنوجي البخاري
76
فتح البيان في مقاصد القرآن
ثم ذكر دليلا قاطعا على حقارة عرض الدنيا وخيرية ما عند اللّه فقال ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ والنفاد الفناء والذهاب ، يقال نفد بكسر الفاء ينفد بفتحها نفادا ونفودا ، وأما نفذ بالمعجمة ففعله نفذ بالفتح ينفذ بالضم ، ويقال أنفد القوم إذا فنى زادهم ، وباق بثبوت الياء وحذفها مع سكون القاف وهما سبعيتان . ومعلوم لكل عاقل أن ما ينفد ويزول وإن بلغ في الكثرة إلى أي مبلغ فهو حقير يسير ، وما كان يبقى ولا يزول فهو كثير جليل أما نعيم الآخرة فظاهر ؛ وأما نعيم الدنيا الذي أنعم اللّه به على المؤمنين فهو وإن كان زائلا لكنه لما كان متصلا بنعيم الآخرة كان من هذه الحيثية في حكم الباقي الذي لا ينقطع . ثم قال وَلَنَجْزِيَنَّ بالنون ففيه التفات ، وقرىء بالياء واللام هي الموطئة للقسم أي واللّه لنجزين الَّذِينَ صَبَرُوا بسبب صبرهم على ما نالهم من مشاق التكليف والفاقة وجهاد الكافرين والصبر على ما ينالهم منهم من الأذى أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ من الطاعات ، قيل وإنما خص أحسن أعمالهم لأن ما عداه وهو الحسن مباح والجزاء إنما يكون على الطاعة ، وقيل المعنى ولنجزينهم بجزاء أشرف وأوفر من أعمالهم ، كقوله مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها [ الأنعام : 160 ] . وقيل بِأَحْسَنِ هنا ليس للتفضيل بل بمعنى الحسن أو لنجزينهم بحسب أحسن أفراد أعمالهم على معنى لنعطينهم بمقابلة الفرد الأدنى من أعمالهم المذكورة ما نعطيهم بمقابلة الفرد الأعلى منها على الجزاء الجزيل لا إنا نعطي الأجر بحسب أفرادها المتفاوتة في مراتب الحسن بأن نجزي الحسن منها بالأجر الحسن ، والأحسن بالأحسن ، كذا قيل ، وفيه ما لا يخفى من العدة الجميلة باغتفار ما عسى يعتريهم في تضاعيف الصبر من بعض جزع ونظمه في سلك الصبر الجميل . مَنْ عَمِلَ صالِحاً هذا شروع في ترغيب كل مؤمن في كل عمل صالح وتعميم للوعد ، والمعنى من عمل صالحا أي عمل كان مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى زيادة التمييز بذكر وأنثى مع كون لفظ من شاملا لهما لقصد التأكيد والمبالغة في تقرير الوعد . وقيل إن لفظ من ظاهر في الذكور فكان في التنصيص على الذكر والأنثى بيان لشموله للنوعين . وَهُوَ مُؤْمِنٌ جعل سبحانه الإيمان قيدا في الجزاء المذكور لأن عمل الكافر لا اعتداد به لقوله سبحانه وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً [ الفرقان : 23 ] ثم ذكر سبحانه الجزاء لمن عمل ذلك العمل الصالح فقال فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وقد وقع الخلاف في الحياة الطيبة بماذا تكون ، فقيل بالرزق الحلال في هذه الحياة الدنيا وإذا صار إلى ربه جازاه بأحسن ما كان يعمل .